ابن بسام

220

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ومنهم الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم محمد بن عبد اللّه بن الجدّ « 1 » قريع وقتنا ، وواحد عصرنا ، ممن استمرى أخلاف النظم والنثر ، فدرّت له بالبيان أو بالسحر ، فإن تكلم فأبو بحر ، أو نظم فكلثوم بن عمرو ، حتى إذا أخذ في الجدال ، أو تفقّه في علم الحرام والحلال ، فرويدك حتى ترى الصبح كيف يسفر ، وثبج البحر كيف يزخر ، وهو على نباهة الذكر ، وعلوّ القدر ، وشرف المحلّ من فهر ، قد لزم داره ، وطوى أخباره ، واقتصر على عفّة « 2 » من المعيشة رزقها ، فهو يتبرّض جميعها ، لا بل يتزوّد نسيمها ، والشمس ، وإن سترها الضباب فغير « 3 » خفيّة السّناء ، ولا مجهولة الغناء . وكان على عهد المعتمد قد تقلّد وزارة ابنه يزيد « 4 » ، فلم / يزل معه عليّ الشأن ، نابه المكان ، حتى كان من أمره ما كان . وهو اليوم في وقتنا قد اضطرّ إليه أهل قاعدة لبلة فولّوه خطّة الشورى ، وألقوا إليه مقاليد الفتوى ، فمهّد لذلك جانبا من كفايته ، واحتسب فيه جزءا من عنايته ، على كره منه شديد ، ومرام في التزايد من العلم بعيد . وعلى ذلك فلم يدع مساجلة الإخوان ، ومراسلة من يرتسم بهذا الديوان « 5 » ، من بني الأوان ، بما يشهد له أنه بديع الزمان ، وفارس الميدان ، وقد أثبتّ له بهذا الديوان ، ما يقيم له أوضح برهان .

--> ( 1 ) محمد بن عبد اللّه بن يحيى بن فرخ بن الجد الفهري : شلبي الأصل سكن إشبيلية ، ويعرف بالأحدب ، أخو الحافظ أبي بكر ابن الجد ، كان من أهل التفنن في المعارف والآداب والبلاغة ذا حظ جيد من الفقه والتكلم في الحديث ، وكان يفتي ببلده لبلة وتوفي سنة 415 ( الصلة : 544 ، والذيل والتكملة 6 : 326 ، والمطرب : 190 ، والمعجب : 237 ، والقلائد : 109 ، والخريدة 3 : 393 ، والمغرب 1 : 341 ، وإحكام صنعة الكلام : 185 - 186 ) . ( 2 ) العفة : بقية اللبن في الضرع ، ولعلها أن تقرأ : « غفة » - بالغين المعجمة - وهي البلغة من العيش . ( 3 ) د : غير . ( 4 ) هو الملقب بالراضي أبي خالد ، ولاه أبوه أولا الجزيرة الخضراء ثم رندة ، ومنها استنزل وقتل سنة 484 ( انظر : الحلة 2 : 70 ) . ( 5 ) ل : الشان .